الخلافات المصرية الإسرائيلية حول التواجد العسكري في سيناء:هل تنتهك القاهرة معاهدة السلام؟

أثار مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في الأول من فبراير 2025 جدلًا واسعًا، حيث أظهر انتشار عدد من الدبابات المصرية بالقرب من معبر رفح البري بين مصر وقطاع غزة. وسرعان ما أشعلت وسائل الإعلام العبرية موجة من الانتقادات، متهمةً القاهرة بانتهاك معاهدة السلام مع إسرائيل، ومطالبةً باتخاذ إجراءات لوقف ما وصفته بالخروقات.

وفي هذا التحقيق، سعينا للتحقق من صحة هذه الادعاءات عبر الإجابة على سؤالين أساسيين: هل هناك بالفعل تواجد عسكري مصري مكثف كما تزعم إسرائيل؟ وما السيناريوهات المحتملة في حال صحة هذه المزاعم؟

التواجد الأمني في سيناء

عند تحليل الفيديو المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، تبيّن أن المقطع حقيقي، إذ يُظهر بوضوح وجود دبابات مصرية قرب معبر رفح البري. لكن بالتحقق من هذا التواجد، نجد أنه ليس أمرًا مستجدًا، حيث نشرت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري في 5 سبتمبر 2024 صورًا تُظهر القوات نفسها بالهيئة ذاتها، وذلك خلال زيارة الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، أثناء تفقده عددًا من الارتكازات الأمنية والعسكرية في مدينة رفح.

كما أكدت صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها ‘تقصي’ عبر Google Earth، والتي التُقطت بعد 7 أكتوبر 2023 مباشرة، وجود عدد كبير من الدبابات والمركبات العسكرية متجمعة بالقرب من جامع أبو حلو، على بُعد بضعة كيلومترات من معبر رفح.

هل يشكل التواجد الأمني المصري في سيناء كثافة عسكرية؟

بالتقصي في الأمر، فإنه لا توجد أي أرقام رسمية معلنة حول حجم القوات المصرية الحالية في سيناء يمكن أن تدل على وجود كثافة عسكرية غير طبيعية. مع ذلك، فإن بعض المسؤولين الإسرائيليين الذين تحدثوا عبر وسائل الإعلام العبرية أشاروا إلى أن التواجد العسكري المصري يتم بالتنسيق مع القيادة الإسرائيلية، وأن هذا التنسيق لا يزال قائمًا.

يعقوب لابين، المحلل العسكري الإسرائيلي والباحث في عدة مراكز بحثية، منها معهد مريم ومركز ألما للأبحاث ومركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية، أكد أن تعزيزات القوات المصرية في سيناء ليست ظاهرة جديدة، بل تعود إلى ما بعد عام 2013، وأوضح أن هذه الزيادات تتم إما بتنسيق مسبق أو بإبلاغ لاحق بعد تنفيذ الانتشار، وفقًا لما ذكرته عدة مصادر.

وقد ذكر مسؤول إسرائيلي لـ “جويش إنسايدر” إن معاهدة السلام تسمح للقاهرة بطلب الإذن من إسرائيل بالانتشار في سيناء بما يتجاوز الـ 47 كتيبة المنصوص عليها في الاتفاقية. ووفقًا للتقديرات، فإن هناك حاليًا معسكرات لـ 180 كتيبة بالتنسيق مع إسرائيل. مع ذلك، لم يؤكد المسؤول أو ينفي التقارير التي تفيد بأن مصر كانت تتصرف أولًا ثم تخطر إسرائيل لاحقًا.

من جهة أخرى، أكدت مصادر أمنية ودبلوماسية إسرائيلية لموقع “إسرائيل هيوم” أن مصر دأبت على إرسال قوات إضافية إلى سيناء على مر السنين، متجاوزة السقف المتفق عليه، ولم تكن تطلب موافقة إسرائيل إلا بعد وقوع الأمر. وأشارت المصادر إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يمنح هذه الموافقات بشكل مستمر.

ويؤكد الدكتور ياجيل هنكين، الخبير العسكري الإسرائيلي، أن هذا النمط من التوسع العسكري المصري في سيناء يتم عبر “الضم التدريجي”، حيث تقوم القاهرة بإدخال قواتها أولًا، ثم تطلب لاحقًا موافقة إسرائيل، والتي كانت تُمنح دائمًا. كما أضاف أنه حتى بعد انتهاء الضرورات الأمنية التي استدعت هذا الانتشار، لم تقم مصر بسحب قواتها.

هل ينتهك التواجد الأمني في سيناء اتفاقية كامب ديفيد 1979؟

حتى يوم الأربعاء 26 فبراير الماضي، لم تصدر أي من التصريحات الرسمية من الجهات الأمنية الإسرائيلية تؤكد بشكل قاطع أن التواجد العسكري المصري في سيناء يمثل انتهاكًا لاتفاقية كامب ديفيد، فيما أعرب يحيئيل لايتر، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، خلال إفادته في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى الشهر الماضي، عن قلقه إزاء ما وصفه بـ”الانتهاك الخطير” من قبل مصر للاتفاقية.

وفي تصريحات نشرتها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، حذر لايتر من أن الوضع في سيناء “غير محتمل” وأن هناك “قواعد قيد الإنشاء لا يمكن استخدامها إلا للعمليات الهجومية، إضافة إلى وجود أسلحة هجومية، وهو ما يعد انتهاكًا واضحًا للاتفاقية”.

كما أشار إلى أن إسرائيل ستطرح هذه القضية قريبًا على طاولة المفاوضات. اتهم لايتر أيضًا السيسي بـ”اللعب على الجانبين” فيما يتعلق بحركة حماس، على الرغم من موقف الحكومة المصرية العدائي تجاه جماعة الإخوان المسلمين، التي تنتمي إليها الحركة. وأشار إلى أن التعاون المصري-الإسرائيلي قد يتحسن إذا تمكنت إسرائيل من هزيمة حماس بشكل حاسم.

لكن على النقيض من ذلك، جاء أول تصريح لمسؤول عسكري كبير، هرتسي هاليفي رئيس الأركان الإسرائيلي المنتهية ولايته، لتخفف من حدة هذه الاتهامات، حيث أقر بأن التواجد العسكري المصري لا يشكل تهديدًا لإسرائيل في الوقت الحالي، رغم القلق الإسرائيلي المستمر.

في كلمة له أمام خريجي دورة ضباط في مدينة حولون، ونقلتها القناة 14 العبرية، قال هاليفي: “تشعر إسرائيل بالقلق إزاء التهديد الأمني من مصر، لكننا نعتقد أنه لا يشكل تهديدًا في الوقت الراهن، ولكن من الممكن أن يتغير في لحظة.” “هذا ليس من أولوياتنا حاليًا، ويجب أن نقول ذلك.” “مصر لديها جيش كبير مزود بوسائل قتالية متطورة وطائرات وغواصات وصواريخ متطورة وعدد كبير للغاية من الدبابات والمقاتلين المشاة”.

السيناريوهات المحتملة

1. تصعيد عسكري واندلاع حرب

يُعد هذا السيناريو ضعيف الاحتمال، حيث تشير التصريحات الحالية إلى أن التواجد العسكري المصري لا يزال ضمن إطار التنسيق مع إسرائيل. ووفقًا لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، التي تعمل في المنطقة، فإن التغييرات في الملف العسكري المصري كانت “صغيرة إلى حد كبير”، وتركزت في وسط سيناء على البنية التحتية، دون تغييرات كبيرة بالقرب من الحدود.

من جانبه، أشار أحمد سالم، مدير المؤسسة في تصريح لـ DW، إلى أن كلا الطرفين لا يحترم تمامًا التدابير الأمنية المحددة في معاهدة السلام لعام 1979، إذ تستشهد قوة المراقبة الدولية بانتظام بتجاوزهما الحد المسموح به للانتشار. لكنه شدد على أن مصر لا تبدو وكأنها تستعد للحرب، مضيفًا: “إنها مبالغة كبيرة، أعتقد أنها تُستخدم للضغط على مصر”.

2. الضغط الإسرائيلي من أجل صفقة التهجير

على الرغم من الانتهاكات المتكررة للاتفاقية الأمنية بين مصر وإسرائيل، فإن مستوى التنسيق العسكري بين الطرفين يظل أقوى من هذه التجاوزات. ويبدو أن الموجة الإعلامية الإسرائيلية الحالية تهدف إلى الضغط على نظام السيسي، خاصة بعد تصريحاته الرافضة لمقترح ترامب بشأن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

في تحليل نشرته صحيفة إسرائيل هيوم، قدم سفير إسرائيلي سابق في مصر تفسيرًا مغايرًا للوضع، مشيرًا إلى أن هناك “موجة مشاعر معادية لمصر”، ربما ناتجة عن الغضب من عدم فتحها للحدود كما كان البعض في إسرائيل يتوقع. وأوضح أن جهات غير رسمية داخل إسرائيل تضخم تقارير عن الحشد العسكري المصري في سيناء، مستذكرًا أحداث عام 2011 حينما استغلت تنظيمات مثل داعش والقاعدة حالة الفوضى ونفذت هجمات خطيرة، مما دفع مصر إلى التنسيق العسكري مع إسرائيل لمكافحة هذه التهديدات.

كما أشار إلى أن التعاون العسكري بين مصر وإسرائيل يسمح بتجاوز بعض القيود المفروضة في اتفاقية كامب ديفيد، حيث تم منح مصر استثناءات لتعزيز وجودها العسكري في سيناء. لكنه انتقد الضجيج الإعلامي الإسرائيلي حول التحركات المصرية، معتبرًا أن ذلك لا يخدم سوى تأجيج العداء بين الطرفين.

3. التحركات العسكرية المصرية كاستجابة لضغوط داخلية ردًا على التواجد في محور فيلادلفيا

ترى بعض التحليلات أن التحركات العسكرية المصرية في سيناء ترتبط بالتطورات الداخلية، حيث أدى التصعيد الإسرائيلي في غزة إلى زيادة الغضب الشعبي في مصر. وتوضح مريم وهبة، الباحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن القاهرة قد تكون تستخدم هذه التحركات “كرد فعل على الضغوط الداخلية”، مشيرة إلى أن الشارع العربي في مصر أصبح أكثر اضطرابًا مقارنة بفترات سابقة.

وأضافت وهبة في تصريح لـ JI أن مصر لم تعلن رسميًا عن هذه التحركات العسكرية، التي كشفتها صور الأقمار الصناعية، مؤكدة أن بعض هذه التحركات قد تشكل خرقًا لاتفاقيات كامب ديفيد.

فيما يرى أحمد أبو دوح، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز تشاتام هاوس، أن الانتشار العسكري المصري في سيناء ليس جديدًا، بل إنه تسارع بعد السابع من أكتوبر 2023، وما يؤكد ذلك أن التواجد بالفعل موجود من أكثر من عام في المنطقة التي يتناولها الإعلام العبري الآن، وهو ما أشرنا إليه في بداية التحقيق إلى أن المتحدث العسكري المصري نشر صور في سبتمبر 2024 توضح ذلك التواجد.

عبر البحث في أرقام رسمية ودراسات، تشير البيانات إلى أن عدد القوات المصرية في سيناء تضاعف منذ عام 2018، حيث ارتفع من 25 ألف جندي في 41 كتيبة إلى 42 ألف جندي في 88 كتيبة، كما زادت مصر من بناء القواعد العسكرية في المنطقة. وفي عام 2021، وافقت إسرائيل على السماح لمصر بتوسيع انتشارها العسكري هناك، وهو ما يتجاوز بنود معاهدة السلام لعام 1979.

كما صرّحت أميرة أورون، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب وسفيرة إسرائيل السابقة في مصر، أن بعض الجهات في إسرائيل “تحاول تصوير مصر على أنها دولة عدوانية”، مستنكرة التقارير الإعلامية التي تدق “طبول الحرب”. وأشارت إلى أن المصريين يرون إسرائيل قوة فوق القانون، فيما تعزز الحرب في غزة هذا الشعور لديهم.

وأضافت أورون أن مصر تعتبر أي وجود إسرائيلي في محور فيلادلفيا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، مشيرة إلى أن التوترات بين البلدين سبقت حرب غزة. وأوضحت أن العلاقات السياسية بين إسرائيل ومصر تدهورت منذ تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة عام 2022، حيث لم يكن هناك أي تواصل بين السيسي ونتنياهو منذ ذلك الحين.

وفيما يتعلق باتفاقيات كامب ديفيد، أوضحت أورون أن مصر سمحت سابقًا لإسرائيل بشن غارات جوية في سيناء، لكن التعاون بين الطرفين كان محكومًا بآلية تنسيق عسكرية دقيقة. كما أكدت أن خطة ترامب لإجلاء الفلسطينيين إلى سيناء “أربكت الحسابات المصرية”، وأن السيسي اعتبرها “خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه خوفًا من أن يؤدي إلى تداعيات أمنية خطيرة، قد تشمل هجمات إرهابية داخل الأراضي المصرية”.

ومن الجدير بالذكر، أنه لا يوجد سفير إسرائيلي في مصر حاليًا، إذ أن السفيرة السابقة أميرة أورون أنهت مهامها وعادت إلى إسرائيل منذ 8 سبتمبر 2024، في حين أن السفير الجديد المعين “أوري روثمان” لم يحصل بعد على موافقة مصر، ولا يزال في إسرائيل. وهو ما يُترجم على أنه تأخير متعمد من جانب القاهرة في الموافقة على السفير الجديد كرد في سياق التوترات الحاصلة بين البلدين.

تشير السيناريوهات المختلفة إلى أن مصر ليست بصدد شن حرب ضد إسرائيل، وهو ما تروج إليه حسابات على شبكات التواصل وذباب إلكتروني محسوب على النظام المصري، لكن تحركاتها العسكرية تحمل رسائل سياسية وأمنية متعددة. فبينما تسعى القاهرة إلى تهدئة الداخل المصري، تواجه ضغوطًا إسرائيلية مكثفة تتعلق بصفقة التهجير ووجودها العسكري في سيناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *