بينما تواصل إسرائيل العدوان على قطاع غزة في خرق للاتفاق، عبر قصفها الوحشي الذي طال مختلف أنحاء القطاع، ما أدى إلى استشهاد عدد من قادة المقاومة مثل أبو حمزة، المتحدث العسكري لسرايا القدس، وأبو عبيدة الجماصي، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، وفي ظل المعاناة الشديدة التي يعيشها أهالي غزة، تتورط دول خليجية في دعم مشاريع الاستيطان الإسرائيلي، رغم إعلانها المتكرر عن دعمها للقضية الفلسطينية ومساندتها لأهل غزة.
إن استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة لم يقتصر على العمليات العسكرية فحسب، بل ترافق مع توسع استيطاني غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية المحتلة.وبينما تُهدم منازل الفلسطينيين في القطاع، تُبنى المستوطنات على أراضي الضفة الغربية بتمويل يُظهر التقارير أنه قادم من استثمارات خليجية، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول مدى التزام الأنظمة العربية بالمواقف التاريخية الداعمة لفلسطين.
هل بات المال الخليجي أداة في ترسيخ الاحتلال بدلًا من مقاومته؟
كشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني في تحقيق صحفي عن تورط شركة استثمارية يرأسها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في دعم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وذلك بمساهمة مباشرة من ثلاث دول خليجية.
ووفقًا للتحقيق، فإن السعودية والإمارات وقطر قدمت دعمًا ماليًا كبيرًا لشركة “أفينيتي بارتنرز”، التي يديرها كوشنر، رغم أن الأمم المتحدة تصنف عددًًا من الشركات التي تتعامل معها هذه المؤسسة على أنها تعمل في مستوطنات غير قانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

حصلت “أفينيتي بارتنرز” على استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات من صناديق الثروة السيادية في هذه الدول الخليجية منذ إطلاقها في عام 2021. وفي يناير الماضي، وبعد تأمين المزيد من التمويل من هيئة الاستثمار القطرية وشركة استثمار مقرها أبو ظبي، قامت الشركة بشراء حصة تقترب من 10% في شركة “فينيكس” المالية الإسرائيلية، مما عزز من وجودها في السوق المالية الإسرائيلية وساهم في دعم مؤسسات إسرائيلية مرتبطة بالمستوطنات.

وتُعرف “فينيكس” بأنها مجموعة خدمات مالية إسرائيلية تعمل في مجالات التأمين وإدارة الأصول، وتمتلك استثمارات مباشرة في 11 شركة عامة وشركة خاصة واحدة، جميعها مدرجة ضمن قاعدة بيانات مفوضية الأمم المتحدة التي تضم الشركات المتورطة في الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة ومرتفعات الجولان.
وتشمل هذه الشركات قطاعات حيوية مثل البنوك والاتصالات والنقل والطاقة والهندسة والإنشاءات والتجارة والمنسوجات والملابس، مما يشير إلى مدى تأثير التمويل الخليجي الكبير في دعم الأنشطة الاقتصادية الإسرائيلية داخل المستوطنات.

علاقة أفينيتي بارتنرز بالاقتصاد الإسرائيلي والخليج
في بيان صادر عن “أفينيتي بارتنرز”، أعربت الشركة عن فخرها بكونها أكبر مساهم في “فينيكس”، معتبرة إياها إحدى أكثر المؤسسات المالية الإسرائيلية نجاحًا واحترامًا، التي ارتفعت أسهمها بأكثر من 4%بعد إعلان أرباحها لعام 2024، وهو ما وصفه الرئيس التنفيذي للشركة بأنه “تصويت بالثقة في الاقتصاد الإسرائيلي”. هذه التطورات أثارت جدلًا واسعًا حول مدى التزام بعض الدول الخليجية بالموقف الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.
يُعد جاريد كوشنر من الشخصيات المقربة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث لعب دورًا محوريًا في صياغة “اتفاقيات أبراهام”خلال الولاية الأولى لترامب التي ساهمت في تأسيس علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بما في ذلك الإمارات. كما عبّر كوشنر في أكثر من مناسبة عن دعمه لإسرائيل ورغبته في الاستثمار فيها، مشيرًا إلى أن شركته “أفينيتي”لديها نظرة متفائلة بشأن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، مع تطلعه لإبرام اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية.

في يوليو الماضي، وقّعت “أفينيتي”صفقة لشراء 4.95%من أسهم شركة “فينيكس”مقابل نحو 130مليون دولار، مع خيار لمضاعفة الحصة لاحقًا. وقد اكتملت الصفقة في 20يناير، مما أدى إلى تحقيق أرباح دفترية قُدّرت بنحو 191مليون دولار وفقًا لبيانات بورصة تل أبيب. وعلّق كوشنر على هذه الصفقة معتبرًا أنها تعكس ثقته في متانة الاقتصاد الإسرائيلي، مؤكدًا أن شركاء “أفينيتي”يُعدّون من بين أكثر المستثمرين خبرة في المنطقة. في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا عسكريًا أدى إلى نزوح عشرات الآلاف.
في المقابل، قضت محكمة العدل الدولية بعدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية، داعية إلى إنهائه فورًا. لكن إسرائيل استمرت في عملياتها العسكرية الواسعة في جنين وطولكرم، ما أدى إلى نزوح نحو 40ألف شخص خلال الأسابيع الماضية، وسط تحذيرات من الأمم المتحدة بشأن مخاطر الضم الفعلي للضفة الغربية.
الدعم الخليجى لشركة أفينيتى
تثير هذه الاستثمارات الخليجية التساؤلات حول تناقضها مع المواقف الرسمية لهذه الدول بشأن القضية الفلسطينية. فقد أشارت منظمات حقوقية إلى أن استثمار شركات كبرى مثل “فينيكس” في مؤسسات متهمة بدعم الاستيطان ليس مستغربًا، لكن دخول رؤوس أموال خليجية، خاصة من دول لم توقع اتفاقيات التطبيع، يمثل تطورًا جديدًا.
في هذا السياق، كان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد قد صرّح في أكتوبر الماضي بأن إسرائيل تستغل تقاعس المجتمع الدولي لتوسيع خططها الاستيطانية، بينما أدانت السعودية والإمارات التصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، محذرة من تقويض جهود السلام.
على الرغم من هذه المواقف العلنية، كشفت تقارير أن صناديق استثمار خليجية، مثل هيئة الاستثمار القطرية وصناديق إماراتية وسعودية متعددة، ضخت استثمارات “ضخمة” في شركة أفينيتي التابعة لكوشنر. ففي يوليو الماضي، أبلغت أفينيتي لجنة المالية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي تعهد بتقديم 2 مليار دولار للشركة بين عامي 2021 و2026، بينما تعهدت صناديق قطرية وإماراتية بضخ مليار دولار إضافي. كما جمعت الشركة 1.5 مليار دولار أخرى من “جهاز قطر للاستثمار” وصندوق “لونيت” الاماراتي الذي يشرف عليه مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد.

هذه الاستثمارات أثارت تدقيقًا من قبل أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، الذين أعربوا عن قلقهم من أن المدفوعات الكبيرة التي حصلت عليها “أفينيتي” قد تكون وسيلة لشراء النفوذ السياسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأمريكية آنذاك واحتمال عودة ترامب إلى البيت الأبيض. كما اعتبر محللون أن الاستثمار في أفينيتي يمثل قناة قانونية لدول الخليج لوضع الأموال في شبكة عائلة ترامب الأوسع، في وقت أصبحت فيه السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية عرضة للبيع لمن يدفع أكثر، وفقًا لما قاله أندرياس كريج، أستاذ دراسات الدفاع في كلية كينجز لندن.
في المقابل، نفت أفينيتي بارتنرز أي ادعاءات بوجود تضارب في المصالح، مؤكدة أنها شركة استثمارية مسجلة لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية وتعمل وفق القوانين. كما أوضحت أنها تتخذ قراراتها بناءً على اعتبارات اقتصادية بحتة، بغض النظر عن السياسة، في حين كان هناك غياب أي رد رسمي من صندوق الاستثمارات العامة السعودي أو جهاز قطر للاستثمار أو صندوق لونيت.
قائمة الشركات الداعمة للاستيطان
بالعودة إلى الشركات المدرجة في قاعدة بيانات المفوضية السامية للحقوق الإنسان المتورطة في دعم المستوطنات، أشارت منظمة “الحق” أن قاعدة البيانات الحالية لا تعكس سوى جزء بسيط من الشركات المتورطة بعمق في جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية، حيث أنها لا تقدم تفاصيل دقيقة عن الشركات المدرجة، بل تكتفي بتصنيفها وفقًا لأنشطتها وحسب.
في هذا السياق، قامت ‘تقصي’ بالوصول إلى قائمة تضم 112 شركة وتحليلها، حيث تبيّن أن “فينيكس” تعد مساهمًا رئيسيًا في بنك “ديسكونت إسرائيل” وبنك “لئومي” وبنك “هبوعليم”، وفقًا لبيانات بورصة تل أبيب. ووفقًا لمركز “من يربح”، الذي يجمع معلومات حول الشركات العاملة في الأراضي المحتلة، دعمت هذه البنوك الثلاثة شركات الإنشاءات المتورطة في بناء المستوطنات، إذ قدّم كل من “ديسكونت إسرائيل” و”هبوعليم” دعمًا مباشرًا لمجالس المستوطنات، في حين قام بنك “هبوعليم” برعاية جولات إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان السورية بالتعاون مع مجموعات المستوطنين.
جاء هذا الكشف في ظل غياب الشفافية بشأن تحديث القائمة وعدم إدراجها على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان في دورته الحالية، ما يعزز المخاوف بشأن مدى التزام المجتمع الدولي بمحاسبة الشركات المتورطة في دعم الاستيطان، خاصة في ظل استمرار انتهاكات حقوق الفلسطينيين وتوسع الأنشطة الاقتصادية في المستوطنات.


بمزيد من البحث تبين أن فينيكس تمتلك حصصًا كبيرة في شركة “سيلكوم”، وشركة “بارتنر للاتصالات”، وهي شركات تقوم بتركيب العديد من أبراج الهواتف المحمولة في المستوطنات، ولديهما تراخيص من وزارة الاتصالات الإسرائيلية لتوفير خدمات الاتصالات للمستوطنات. كما تمتلك فينيكس أسهمًا في “إلبيت سيستمز“، أكبر شركة لصناعة الأسلحة في إسرائيل. وعلى الرغم من أن “إلبيت” ليست مدرجة في قاعدة بيانات الأمم المتحدة، إلا أن الشركة مساهم رئيسي لجرائم إسرائيل في غزة والضغة الغربية.

مع تواصل العدوان على غزة وخرق الاتفاق وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، تصبح الحاجة ملحة لمراجعة شاملة لهذه السياسات، خاصة من الدول التي تدعي دعم القضية الفلسطينية في الوقت الذي تبني فيه اقتصادها على معاناة الفلسطينيين واغتصاب حقوقهم.
المصادر :
Gulf states linked to Israeli businesses on UN settlements blacklist
Kushner’s Affinity Partners raises $1.5 billion, extends fund investment period to 2029
Kushner’s firm was backed by investments from the Emirates and Qatar
Kushner’s private equity firm said to receive hundreds of millions from UAE, Qatar
الأمم المتحدة تحدث قائمة الشركات المتعاملة مع المستوطنات الإسرائيلية
كوشنر وأموال الخليج: كيف تتدفق الاستثمارات إلى المستوطنات الإسرائيلية؟
MEE: ثلاث دول خليجية تدعم شركة متورطة ببناء المستوطنات.. يرأسها كوشنر