في سابقة قضائية، أصدر القضاء الأميركي الأربعاء الماضى حكمًا بالسجن 11 عامًا على السيناتور الديمقراطي المعزول بوب مينينديز، و8 سنوات على رجل الأعمال المصري الأمريكي وائل حنا، بعد محاكمة استمرت منذ منتصف عام 2022.
تم الكشفت عن شبكة فساد متورط فيها النظام المصري، إذ أُدين حنا بتهمة العمل كعميل للمخابرات المصرية الذي قدم رشاوى للسيناتور تضمنت سبائك ذهبية، مجوهرات، وسيارة مرسيدس عبر زوجة مينديز نادين أرسلانيان التي تم تعليق محاكمتها بسبب وضعها الصحي.
القاضي الفدرالي سيدني شتاين وجه انتقادًا لاذعًا لمينينديز قبل النطق بالحكم، مؤكدا أنه لا يمكن إفلات أي شخص مهما كانت سلطته من العقاب على جرائم الرشوة والاحتيال والخيانة. رد السيناتور كان عاطفيا الذي عبر أن كل يوم يستيقظ فيه يعتبر بمثابة عقاب له. الحكم يُعد سابقة في تاريخ الكونغرس الأمريكي، إذ إنه أول عضو يشغل منصبًا قياديًا الذي ترأس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ويتم إدانته بالعمل كعميل لحكومة أجنبية، مما أثار تساؤلات حول تأثير هذه القضية على سمعة المؤسسات الأمريكية.
القضية أثارت أيضًا تساؤلات حول دور النظام المصري الحالي، حيث أكد مراقبون أن الإدانة تعكس استخدام الحكومة المصرية طرقًا غير قانونية وغير شرعية لخدمة مصالح النظام على حساب الشعب المصرى. هذا الأمر فتح باب النقاش حول كيفية تعامل الأنظمة السياسية مع الممارسات المشبوهة التي قد تؤثر على العلاقات الدولية وتقوّض الثقة بين الحكومات. الحكم يمثل رسالة واضحة بأن المحاسبة القانونية لا تستثني أحدًا.
شبكة فساد وتجسس لصالح النظام المصري
بجانب مينينديز وزوجته ووائل حنا تورط كل من خوسيه أوريبي وفريد دعبس بتهم جنائية لكل منهما أيضًا، تشمل التآمر لارتكاب جرائم الرشوة والاحتيال والابتزاز.
أظهرت التحقيقات أن وائل حنا، المصري الأصل، قام بترتيب لقاءات وحفلات عشاء بين السيناتور الأمريكي بوب مينينديز ومسؤولين مصريين في عام 2018، حيث استخدم المسؤولون المصريون هذه الاجتماعات للضغط على مينينديز بشأن ضمان استمرار تدفق المساعدات الأمريكية لمصر، والتي تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار سنويًا، منها 1.3 مليار دولار مخصصة للجيش. وكشفت المحاكمة أن هذه الرشاوى كانت تهدف إلى ضمان حصول مصر على المساعدات بشكل كامل طوال أربع سنوات منذ 2018، مع التغاضي عن سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان. كما ظهرت خلال القضية أسماء مسؤولين حكوميين وعسكريين ورجال مخابرات مصريين متورطين في هذه الشبكة.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت التحقيقات أن مينينديز قدم معلومات حساسة للحكومة المصرية، بما في ذلك بيانات سرية حول عدد الموظفين وجنسياتهم في السفارة الأمريكية بالقاهرة في مايو 2019. كما اتخذ خطوات سرية لدعم القاهرة، مثل كتابته رسالة نيابة عن مصر في مايو 2018 طالب فيها بالإفراج عن 300 مليون دولار من المساعدات المجمدة. وقد قامت نادين مينينديز بإرسال هذه الرسالة إلى حنا، الذي نقلها بدوره إلى المسؤولين المصريين.
بحسب متابعات القضية، فإن المحاكمة أثبتت تورط وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، ورئيس المخابرات المصرية السابق عباس كامل، ووكيلي وزارة الزراعة المصرية في ذلك الوقت الدكتورة منى محرز والدكتور أحمد عبدالكريم، وغيرهم ممن ذكرت أسماؤهم في القضية أثناء المحاكمة ولم ترد في لائحة الاتهام.
ونشر البعض صورة اللواء أركان حرب خالد أحمد شوقي بجوار مينينديز، مشيرين إلى أنه أحد المتورطين في القضية وأنه شخصية عسكرية مصرية بارزة، شغل عدة مناصب هامة بينها منصب مساعد وزير الدفاع، وقيادة المنطقة الشمالية العسكرية، ورئيس هيئة تدريب القوات المسلحة، وفي يوليو الماضي، تم ترشيحه لمنصب محافظ أسوان.

وفقًا للائحة الاتهام، قدم حنا رشاوى كبيرة لمينينديز عبر زوجته نادين، شملت سبائك ذهبية ومجوهرات وأموالًا نقدية مقابل استخدام نفوذه كرئيس للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ لتسهيل صفقات أسلحة بملايين الدولارات لمصر وإلغاء القيود على التمويل العسكري الأجنبي. كما وعد حنا بنقل أموال إضافية لقاء هذا الدور، لكن رسائل نصية وسجلات هاتف كشفت أن المسؤولين المصريين كانوا غاضبين بسبب عدم تحقيق النتائج المرجوة بشكل كامل.
التفاصيل الدراماتيكية للقضية بدأت في 16 يونيو 2022، عندما عثرت الشرطة الأمريكية في منزل مينينديز على نصف مليون دولار نقدًا، وسبائك ذهبية، ومجوهرات، بالإضافة إلى ظرف يحتوي على 7400 دولار كان مكتوبًا عليه اسم المتهم اللبناني فريد دعبس. هذه الاكتشافات قادت إلى اتهام مينينديز بالعمل كعميل أجنبي لصالح مصر، وبينما أكد ممثلو الادعاء أن الهدايا تضمنت سبائك ذهبية تتجاوز قيمتها 100 ألف دولار، أشارت التحقيقات إلى أن وائل حنا أبرم صفقة مربحة مع الحكومة المصرية لتصدير اللحوم الأمريكية “الحلال” إلى القاهرة، عبر شركات مرتبطة مباشرة بالمخابرات المصرية.
الشاهد الثاني في القضية، جون ملدوفن، كشف عن أسماء خمس شركات أسسها حنا حول العالم لإمداد مصر بتلك اللحوم، مؤكدًا وجود علاقة وثيقة بين حنا والمخابرات المصرية. وأشار إلى أن أحد ضباط المخابرات المصرية كان يتواصل مع حنا يوميًا، وأن الشركة الرئيسية التي يديرها حنا تُدعى “Meet Egypt”، وهي تابعة للمخابرات المصرية. كما أثيرت تساؤلات حول علاقة حنا بوزير الخارجية المصري سامح شكري، حيث تبين أن حنا اشترى سبيكة ذهبية قبل زيارة شكري إلى نيويورك وواشنطن، وسلمها علنًا لزوجة شكري خلال اللقاء.

شركة “حلال” واحتكار السوق المصري
كشفت هذه القضية عن أبعاد خطيرة تتعلق بالفساد الممنهج واستغلال الموارد العامة في مصر، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الشعب المصري. ففي الوقت الذي يصل فيه الدين الخارجي 152.9 مليار دولار حتى يونيو 2024، مع ارتفاع نسبة الفقر والفقر المدقع إلى مستويات غير مسبوقة (حوالي 60% من السكان)، يتم إنفاق أموال طائلة كرشى لشخصيات أجنبية لتحقيق مصالح النظام المصري.
أحد أبرز الجوانب المثيرة للجدل في القضية هو قرار الحكومة المصرية عام 2019 إلغاء تعاقدها مع 4 شركات أمريكية كانت تصدر اللحوم والدواجن، ومنح الاحتكار الكامل لشركة مبتدئة تُدعى “IS EG Halal”، تأسست في ولاية نيوجيرسي عام 2017 وتمتلكها شركة مرتبطة بوائل حنا. هذا القرار ترافق مع ارتفاع جنوني في أسعار اللحوم المجمدة، إذ قفزت الأسعار من 40-50 جنيهًا للكيلوجرام في عام 2016 إلى نحو 260 جنيهًا، مما أدى إلى زيادة معاناة المواطنين الذين أصبحوا غير قادرين على تحمل تكاليف الغذاء الأساسي.

في 23 سبتمبر الماضي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقًا يكشف عن استخدام شهادات حلال مزورة في تصدير اللحوم إلى مصر عبر شركة مرتبطة بالجيش المصري ومقرها نيوجيرسي، بالتواطؤ مع السيناتور مينينديز.
التحقيقات كشفت أن الشركة لم تكن تمتلك أي خبرة سابقة في مجال تصدير اللحوم، ومع ذلك تم منحها احتكار السوق المصري، كما أشارت التحقيقات إلى أن مينينديز ضغط على مسؤول في وزارة الزراعة الأمريكية لحماية هذا الاحتكار، رغم عدم وجود أي مؤهلات أو خبرة لدى الشركة المالكة.
فيما لفت الصحفي حافظ الميرازي إلى أن رشاوى مينينديز وزوجته تمت على حساب المواطن المصري بزيادة أسعار اللحوم والدواجن المستوردة له، عن طريق إلغاء شركات رخصة حلال الزهيدة السعر، وإعطاء احتكار للشاب القبطي الأمريكي وائل حنا ومنح رخصة “ذبح حلال على الطريقة الإسلامية” بعد مضاعفة الأسعار، دون منافس له.

المصادر:
https://www.alaraby.co.uk/politics/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%AD%D9%86%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%B3-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B1%D8%B4%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%B2
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2023/09/27/ny-indicted-co-conspirator-pleaded-not-guilty-in-alleged-bribery-scheme-with-sen-robert-menendez-and
https://www.cbsnews.com/news/bob-menendez-bribery-trial-jose-uribe-testimony/
https://www.alhurra.com/top-news/2025/01/30/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86-11-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%84%D9%80%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82-%D8%AA%D9%84%D9%82%D9%89-%D8%B1%D8%B4%D9%89-%D9%85%D8%B5%D8%B1
https://arabi21.com/story/1658171/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%B2-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B4%D9%88%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1
https://arabic.rt.com/world/1641731-%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%B9%D8%B6%D9%88-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D9%88%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82-%D8%A8%D9%88%D8%A8-%D9%85%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%B2-%D8%A8%D9%8016-%D8%AA%D9%87%D9%85%D8%A9/
https://www.nytimes.com/2025/01/29/nyregion/bob-menendez-corruption-sentencing.html?smid=nytcore-ios-share&rferringSource=articleShare&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTAAAR1YY8XG8LmHEn2tvxa4fJXbvc3WH5sDz4zl0qGAl-84YknSEVSnVfLH4Ls_aem_G1BN8hgJ5DRN-2Nce2okvQ
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/07/16/jury-finds-sen-bob-menendez-guilty-on-all-counts-in-federal-corruption-trial
https://www.egypttelegraph.com/article/84756/60-8-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%AC%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9