سيناء جديدة جغرافيًا وديموغرافيًا: مخططات النظام المصري منذ 2014 وإلى الآن

منذ سنوات، تخضع سيناء لعمليات تغيير ديمغرافي وجغرافي مكثفة تنفذها الحكومة المصرية تحت ذرائع أمنية وتنموية. وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي، فإن تحليل صور الأقمار الصناعية والخرائط المسربة يكشف عن مخططات توسعية تعيد رسم الحدود السكانية، وتؤثر بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.

باستخدام منصة Sentinel-Hub، قمنا بمقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة في يناير 2025 ويناير 2018، والتي أظهرت تغييرات جذرية على الحدود الشرقية لسيناء، من بينها:
• إنشاء مبانٍ جديدة بالقرب من قرية المطلة، على غرار مدينة رفح الجديدة.
• ظهور مبانٍ إضافية جنوب مدينة رفح الجديدة، ضمن إطار سكني موحد.
• تجريف وتمهيد الطرق بشكل واسع، خاصة الطريق الموازي للحدود الشرقية، الذي يمتد من البحر حتى جنوب سيناء.
• زيادة عدد أبراج المراقبة وانتشارها بطول الحدود.

وكشفت صور الأقمار الصناعية إلى جانب بيانات OpenStreetMapعن توسيع المنطقة العازلة، فقبل عام 2021 كانت تمتد على 79 كم²، بينما بعد عام 2021 ارتفعت مساحتها إلى 2655 كم².

فيما تأتي القرارات الرئاسية المعلنة كتأكيد إضافي للتغييرات التي قام بها النظام المصري عبر قرار 444 لسنة 2014 الذي حدد المنطقة العازلة الأولى بمساحة 79 كم²، فيما وسع قرار 420 لسنة 2021 نطاق المنطقة العازلة إلى 2655 كم²، ما أدى إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان.

باستخدام sentinel-hub لصور الأقمار الصناعية، قمنا بتحديد لقطتين مختلفتين من حيث التوقيت (يناير 2025) و (يناير 2018) للحدود الشرقية، والتي اظهرت مجموعة من الاختلافات الكبيرة حدثت على مدار تلك الأعوام، يمكن الاطلاع عليها من خلال الصور التالية:

كما تظهر صور الأقمار الاصطناعية تجريف وتهيئة الطرق بطول وعرض منطقة رفح، حيث كان أبرز الطرق التي تم تهيئتها والمشار اليها في الصور التي حصلنا عليها هو الطريق الموازي للحدود الشرقية وهو يقطع منطقة رفح من أول البحر نزولا للجنوب، كما يظهر التجريف الظاهر بوضوح في المنطقة المتاخمة للحدود من أول معبر رفح نزولا باتجاه الجنوب وفيها يظهر مجموعة من أبراج المراقبة.

تغير آخر كشفته صور الأقمار الاصطناعية والتي حصلنا عليها من أداة openstreetmap أبرزت اتساع المنطقة العازلة كما ذكرنا.

بعد توليه الرئاسة، قام السيسي بإصدار القرار رقم 444 في 2014 بتحديد المنطقة العازلة الأولى والتي بلغت مساحتها 79 كيلو متر مربع مع طول الحدود مع قطاع غزة، وهذا القرار موثق في العدد 48 مكرر (أ) في 29 نوفمبر 2014 في الجريدة الرسمية.

في 2021، أصدر السيسي القرار رقم 420 بخصوص إعادة ترسيم المناطق المتاخمة للحدود والتي قام من خلالها بتوسعة مساحة المنطقة المحظورة الجديدة إلى 2655 كم²، ونشر القرار الجديد في العدد 38 تابع (ب) في 23 سبتمبر 2021. الجدير بالذكر أن مدينة رفح الجديدة التي شرع النظام في بناءها لتعويض أهالي رفح المهجرين من المنطقة العازلة الأولى، دخلت حيز المنطقة العازلة الجديدة.

تقسيم سيناء والتغيير الديمغرافي

من خلال تحليل مصادر متعددة، بما في ذلك التحقق من مجموعة كبيرة من بيانات شبكات التواصل بجانب تحقيقات منشورة، توصلنا إلى أن هناك تغييرات ديمغرافية وهيكلية كبرى في شمال سيناء، حيث وثّقت الأقمار الاصطناعية والخرائط المسربة التي نشرتها منظمة “سيناء للحقوق والحريات” خططًا حكومية تهدف إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية في المنطقة عبر إنشاء تجمعات سكنية جديدة وإقامة جدران عازلة.

تشير الوثائق إلى أن الحكومة المصرية تخطط لتحويل مدينة رفح و11 قرية و45 تجمعًا تابعًا لها إلى 6 تجمعات سكنية تمتد على مساحة 384 كيلومترًا مربعًا، تستوعب حوالي 80 ألف نسمة، وتشمل مناطق: البرث، الكيلو 21، نجع شبانة، الطايرة، المهدية، الخرافين، جوز أبو رعد، الوفاق، رفح الجديدة، الحسينات، المطلة، أبو شنار، إلا أن هذه الخطط لم تحدد إطار زمني واضح لتنفيذ هذه المشروعات.

علاوة على ذلك، تكشف الخرائط المسربة عن جدار بطول 12 كيلومترًا يمتد من أبو زماط جنوبًا إلى السكادرة شمالًا، مما يعزل رفح عن الشيخ زويد. كما تتضمن الخطط إعادة هيكلة مدينة الشيخ زويد و14 قرية و144 تجمعًا تابعًا لها ضمن 10 تجمعات سكنية تمتد على مساحة 783 كيلومترًا مربعًا، تستوعب أكثر من 63 ألف نسمة، موزعة على مناطق: العكور، الخروبة، قبر عمير، الشلاق، مدينة الشيخ زويد، السكادرة، أبو طويلة، أبو الفيتة، القريعة، الزوارعة، الجورة، أبو العراج، التومة، الظهير.

كما تُظهر الوثائق وجود خطة لإنشاء جدار آخر بطول 38 كيلومترًا وارتفاع 6 أمتار يفصل الشيخ زويد عن العريش، مما يجعل الشيخ زويد منطقة محاطة بأسوار من جميع الجهات، وهو ما قد يؤدي إلى تفتيت النسيج المجتمعي وتحويل شمال سيناء إلى مناطق معزولة ديموغرافيًا، في تناقض صارخ مع وعود السلطات بلمّ شمل السكان وإعادة توطينهم.

تؤكد هذه الخرائط ما سبق أن نشرته منظمة “سيناء للحقوق والحريات” في وقت سابق حول بناء الجيش المصري جدرانًا بارتفاع 6 أمتار في شمال سيناء، مشابهة للجدار الحدودي مع غزة، مما ينذر بتحويل مدن شرق سيناء إلى جيوب معزولة، ويثير مخاوف بشأن التداعيات الاجتماعية والأمنية لهذه السياسات.

القضاء على حلم العودة: قرارات رسمية وممارسات قسرية

يمثل القرار الصادر في عام 2021 تعديلًا جوهريًا على القرار الجمهوري رقم 444 لعام 2014، الذي حدد المناطق المتاخمة للحدود المصرية الشرقية، بما في ذلك مدينة رفح وشريط بعرض كيلومتر واحد بمحاذاة الحدود الدولية حتى طابا كمناطق “ممنوعة”، بالإضافة إلى شريط آخر بعرض 4 كيلومترات كمنطقة “محظورة”.

نصَّ القرار الأصلي على أن المناطق الممنوعة لا يسمح فيها بوجود أي عناصر غير القوات المسلحة، كما يحظر دخول المركبات المدنية إليها، فيما تتطلب المناطق المحظورة تصاريح كتابية لدخول المدنيين، باستثناء من يقيمون هناك منذ أكثر من 30 عامًا.

ورغم الضجة الكبيرة التي أثارها هذا القرار عام 2014، حيث تسبب في تهجير واسع للأسر السيناوية، حاولت الدولة طمأنة السكان بتعهدات بعودتهم بعد انتهاء العمليات العسكرية، لكن مع صدور القرار 420 لعام 2021، الذي وسّع نطاق المصادرة ليشمل 2655 كيلومترًا مربعًا من المناطق المأهولة، بدا واضحًا أن الوعود بإعادة السكان كانت مجرد سراب.

منذ عام 2014، تنتهج السلطات إستراتيجية ممنهجة لإجبار السكان على النزوح، عبر سلسلة من الإجراءات القمعية التي وثقتها تقارير حقوقية دولي، ووفقًا لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، فقد تم تهجير أكثر من نصف سكان شمال سيناء خلال السنوات الماضية، بينما يخضع من تبقى لضغوط معيشية قاسية، منها قطع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه لفترات طويلة، وتدمير أكثر من 80% من الأراضي الزراعية، ما أفقد السكان مصادر رزقهم، بجانب فرض قيود صارمة على حركة البضائع والأشخاص، مما أدى إلى شلل اقتصادي كامل.

هذه الانتهاكات وثقها تقرير المنظمة الحقوقية الصادر في مايو 2019 تحت عنوان “اللي خايف على عمره يسيب سينا!”، حيث استعرض التقرير، في 116 صفحة، تفاصيل النزاع المستمر منذ 2014، والذي أسفر عن مقتل وجرح آلاف المدنيين والمسلحين وأفراد الأمن.

كما تناول الضغوط التي تتعرض لها القبائل السيناوية لإجبارها على التعاون مع الجيش أو مغادرة المنطقة، إضافة إلى هدم آلاف المنازل وتجريف مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

وسط التعتيم الإعلامي المفروض على سيناء، تواصل السلطات فرض واقع جديد يهدف إلى إعادة التوطين وفق مخططات عسكرية مسربة. ورغم محاولة تصوير الأمر كخطوة تنموية، فإن جوهره يمثل انتهاكًا صريحًا لحقوق سكان سيناء الأصليين، حيث يُجبرون على التخلي عن منازلهم وممتلكاتهم.

ومن خلال تحليل منشورات أهالي سيناء في مجموعات التواصل الاجتماعي، تبين أن السكان يدركون تمامًا ما يحاك ضدهم، ويحاولون مقاومة هذا المخطط عبر حملات توعوية، كان أبرزها تدشين هاشتاج “#لا_للتجمعات”، في محاولة منهم لرفض إعادة التوطين القسري وفضح محاولات طمس هويتهم وحقهم في العودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *