في أقل من ثلاث سنوات، تحولت الإمارات العربية المتحدة إلى المستثمر الأجنبي الأكبر في مصر، مستحوذة على أصول استراتيجية في القطاعات المصرفية، العقارية، البترولية، اللوجستية، والصحية. من خلال صندوقها السيادي (ADQ) وشركات تابعة، نفذت الإمارات صفقات استحواذ ضخمة بقيمة أكثر من 50 مليار دولار منذ 2022، تشمل حصصًا رئيسية في البنوك الكبرى، شركات الطاقة، الموانئ، ومشاريع التطوير العقاري في القاهرة والإسكندرية والساحل الشمالي.
بينما تبرر الحكومة المصرية هذه الصفقات على أنها جزء من “سياسة الطروحات الحكومية” لجذب الاستثمارات الأجنبية، يستعرض هذا التحقيق، بالاعتماد على المصادر المفتوحة ووثائق رسمية، كيف تحولت الإمارات إلى المالك الفعلي لمفاصل الاقتصاد المصري، ولماذا تثير هذه الصفقات مخاوف من تحويل مصر إلى دولة تابعة للإمارات، خاضعة لقراراتها السياسية والاقتصادية.
الاستحواذات الكبرى
مع تزايد الضغوط المالية، أطلقت الحكومة المصرية “وثيقة سياسة ملكية الدولة” في أواخر 2022، وهي بمثابة خارطة طريق للتخارج من قطاعات اقتصادية كبرى لصالح القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب. وفق الوثائق التي حصلنا عليها، تمت خصخصة أصول بقيمة 30 مليار دولار بين 2022 و2024، كان النصيب الأكبر فيها لصندوق أبوظبي السيادي (ADQ) وشركات إماراتية مثل إعمار، العتيبة، وجلوبال فينتشرز.

استحوذ صندوق ADQ الإماراتي على 18% من البنك التجاري الدولي (CIB)، وهو أكبر بنك خاص في مصر، مقابل 1.805 مليار دولار، كما استحوذ على 25% من شركة فوري للمدفوعات الإلكترونية، مما منحه سيطرة على قطاع التحويلات المالية.
وفي قطاع الطاقة والبترول، استحوذت شركات إماراتية على 25% من أسهم شركة أبو قير للأسمدة، و20% من الشركة المصرية لإنتاج البنزين (إيلاب)، وهما من أكبر منتجي الأسمدة والبتروكيماويات في مصر. كما حصلت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) على حصة في أموك (الإسكندرية للزيوت المعدنية)، في صفقة بلغت 600 مليون دولار.
أما عن آخر استحواذ للإمارات، فقد ضم 3 شركات بترول مصرية دفعة واحدة، إذ وافق “جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية” على 3 طلبات مقدمة له من شركة “ألفا أوركس ليمتد” التابعة لـ “أيه دي كيو” في 30 أكتوبر الماضي، بالاستحواذ على حصص من 3 شركات بترول مصرية، في صفقة بلغت 800 مليون دولار.
كذلك جرى الاستحواذ على 25% من أسهم شركة “الحفر المصرية” الحكومية الرائدة بمصر والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والمملوكة للهيئة المصرية العامة للبترول، والتي تأسست عام 1976، وتدير 70 منصة حفر، ومنصتين بحريتين، ويعمل بها نحو 5 آلاف مصري.
بجانب ذلك، تم الاستحواذ على 30% من أسهم شركة “المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته” (إيثيدكو)، الرائدة بمجال البتروكيماويات بمصر وإفريقيا، والتي تأسست عام 2011 بإجمالي استثمارات 1.9 مليار دولار، وتقدم منتجات البولي بيوتادايين، والبولي إيثيلين عالية الجودة للصناعات العالمية.
الموانئ والخدمات اللوجستية
قطاع الموانئ المصرية كان واحدًا من القطاعات التي شهدت محاولات السيطرة الإماراتية أيضًا، ففي 2023 وقعت الإمارات اتفاقًا للاستحواذ على محطة حاويات ميناء السخنة، وهو أحد أهم الموانئ المصرية على البحر الأحمر، بقيمة 1.2 مليار دولار. كما حصلت موانئ دبي العالمية على حقوق تشغيل وتطوير محطة حاويات ميناء دمياط لمدة 30 عامًا، باستثمار يصل إلى 500 مليون دولار.
وفي أواخر العام الماضي، وقّعت الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر وتحالف شركات موانىء أبوظبي، العقد النهائي الخاص ببناء وتطوير محطة متعددة الأغراض (سفاجا٢) بميناء سفاجا البحري، حسب بيان لمجلس الوزراء المصري. بموجب العقد، مُنح التزام لشركة سفاجا لتشغيل المحطات، بنظام المناطق الحرة، ومن المقرر أن تمتد مدة الالتزام الممنوح لهم إلى 30 عامًا، تبدأ من تاريخ استلام أرض المشروع.
العقارات والتطوير العمراني
في فبراير 2024، استحوذت الإمارات على مشروع تطوير مدينة رأس الحكمة، في صفقة بلغت 35 مليار دولار، شملت 24 مليار دولار نقدًا و11 مليار دولار عبر تحويل ودائع إماراتية في البنك المركزي المصري.
وجاءت صفقة رأس الحكمة، بعد شهر واحد من استحواذ مجموعتين إماراتيتَين، هما “ايه دي كيو” القابضة، و”أدنيك”، على نسبة كبيرة من الفنادق التاريخية في مصر، حيث اشترت المجموعتان 40.5% من شركة “آيكون” التابعة لرجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى.
وكانت الشركة المملوكة لرجل الأعمال المصري قد استحوذت قبل أسابيع على حصة 39% من شركة “ليجاسي” للفنادق الحكومية التي تمتلك محفظة تضم 7 فنادق تاريخية في مصر، هي سوفيتيل أولد كتراكت أسوان، وموفنبيك أسوان، وسوفيتيل وينتر بالاس الأقصر، وشتايجنبرجر التحرير، وشتايجنبرجر سيسل الإسكندرية، وماريوت مينا هاوس، وماريوت القاهرة، وكازينو عمر الخيام.
وصل حجم محفظة “آيكون” بعد اكتمال هذه الصفقة، إلى 15 فندقًا وعقارًا فاخرًا في قطاع الضيافة، تضم نحو 5 آلاف غرفة فندقية موزعة على مواقع رئيسية في القاهرة والأقصر والإسكندرية وشرم الشيخ.
وفي يوليو 2024، بدأت الحكومة المصرية التفاوض مع رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس “إعمار العقارية”، لتطوير وسط القاهرة وتحويله إلى نسخة من “داون تاون دبي”، مع بيع مبانٍ تاريخية لصالح مستثمرين إماراتيين.
احتكار قطاع الصحة والسيطرة على معامل التحاليل
خلال السنوات الماضية، توسعت الشركات الإماراتية في قطاع الرعاية الصحية المصري، عبر الاستحواذ على مستشفيات ومعامل تحاليل كبرى، مما منحها نفوذًا واسعًا في السوق، حيث استحوذت شركة أبراج كابيتال الإماراتية عبر شركة التشخيص المتكاملة على معامل البرج والمختبر، التي تمتلك معًا أكثر من 1700 معمل في مصر.
رفعت الشركة حصتها في هذا السوق مما منحها سيطرة على 50% من سوق التحاليل الطبية الخاصة، بعدها قامت أبراج كابيتال بالتخارج من السوق في 2016، لكنها تركت السوق تحت هيمنة شركة التشخيص المتكاملة، التي تتحكم حاليًا في معامل البرج، المختبر، البرج سكان، ميجا لاب، ومركز الجينات الطبية.
في نفس القطاع، امتلكت الإمارات 12 مستشفًا خاصًا، من بينها القاهرة التخصصي، كليوباترا، بدراوي، النيل، الكاتب، ومستشفيات السلام الدولي ودار الفؤاد. كما استحوذت مجموعة المركز الطبي الجديد الإماراتية على مركز الإسكندرية للخدمات الطبية. كما استحوذت شركات إماراتية على شركة وياك للأدوية، بالإضافة إلى يونى لاب وإلكسير للمناظير. كذلك، استحوذت شركة بريميم هيلث كير الإماراتية على 5 شركات ومعامل طبية بقيمة 1.4 مليار جنيه، مما عزز تحكم الإمارات في تسعير الخدمات الطبية للمصريين.
بحلول 2024، أصبحت مصر أعلى دولة في هامش ربحية شركة التشخيص المتكاملة، بنسبة نمو 35% مقارنة بعام 2023.


دور الصندوق السيادي المصري في تمرير الصفقات
أنشأت الحكومة المصرية “صندوق مصر السيادي” في 2018، بهدف “إدارة الأصول غير المستغلة”. لكن التحقيق الذي أجرته ‘تقصي’ يكشف أن الصندوق تحول إلى آلية رئيسية لنقل ملكية الأصول العامة إلى مستثمرين خليجيين خاصة الإمارتيين دون رقابة برلمانية.
في 2020، أصدر السيسي قرارًا بإلغاء حالة المنفعة العامة عن العقارات المملوكة للدولة، ما سمح للصندوق السيادي ببيعها مباشرة. كما تم بيع مجمع التحرير ووزارة الداخلية وخمسة أصول حكومية أخرى عبر الصندوق السيادي إلى شركات إماراتية.
وفي 2024، نقلت الحكومة ملكية 32 شركة قطاع عام إلى الصندوق، تمهيدًا لطرحها للمستثمرين، وهو ما يجعلها خارج أي مساءلة حكومية.
إن الاستحواذات الإماراتية في مصر ليست مجرد استثمارات مالية عادية، بل تمثل نموذجًا لتغلغل اقتصادي استراتيجي يثير تساؤلات حول تأثيره على السيادة الاقتصادية والسياسية لمصر في ظل غياب الشفافية والتقييم العادل لبعض الصفقات، كما في عرض الاستحواذ على هيرميس وسي آي بي، حيث كانت التقييمات أقل من قيمتها الفعلية.
كما أن هذه الاستثمارات تركز على الاستحواذ على كيانات قائمة، وليس استثمارات جديدة، مما يعني أنها لا تضيف قيمة إنتاجية جديدة، بل تنقل الأرباح للخارج، في الوقت الذي تعيش فيه البلاد أزمة اقتصادية، وضعف لقيمة الجنيه.
كما أن هناك مخاطر احتكارية إذا أصبحت الإمارات تتحكم في سوق العقارات أو الصحة أو التحويلات المالية بشكل كبير، مما قد يرفع الأسعار أو يقلل الخيارات المتاحة للمواطنين، بجانب تحويل الأرباح بالدولار إلى الخارج مما قد يزيد من الضغط على العملة المصرية مستقبلًا.
سياسيًا، كان للإمارات تاريخ في استخدام النفوذ الاقتصادي كأداة للضغط السياسي في دول أخرى، خاصة مع وجود اختلافات في ملفات حيوية بينها وبين مصر، مثل ملف حرب السودان وتدعيم قوات الدعم السريع في الوقت الذي أعلنت فيه مصر أصطفافها جانب الجيش السوداني، بجانب طبيعة علاقة الإمارات المنتفحة على الاحتلال الإسرائيلي بعكس السياسة المصرية. في هذا الإطار قمنا برصد عدة حالات مشابهة حصلت، مثل ما فعلته كينيا عندما ألغت صفقة بيع ميناء مومباسا للإمارات بسبب مخاوف متعلقة بالسيادة الوطنية.
وفي الولايات المتحدة، رغم فارق حجم الاقتصاد بالمقارنة مع الاقتصاد المصري، رفض الكونجرس في 2006 صفقة استحواذ موانئ دبي العالمية على موانئ أمريكية لأسباب تتعلق بالأمن القومي. في المقابل، تبيع مصر أصولًا حيوية دون أي قيود واضحة، مما يجعلها حالة استثنائية مقارنة بباقي الدول التي تعمل على حماية قطاعاتها الاستراتيجية.
المصادر:
https://www.cabinet.gov.eg/conference/pdf/property-policy-document.pdf
http://eparticipation.idsc.gov.eg/api/Upload/DocumentLibrary/AttachmentA/50/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%81%D9%8A%D8%B0%D9%8A_%D9%84%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9_%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9_%D9%85%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_11.pdf
https://www.alborsaanews.com/2025/01/26/1864180
https://www.wam.ae/ar/details/1395303024893
https://manshurat.org/file/87924/download?token=Q7L8998E
https://www.facebook.com/almawkef.almasry/posts/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B0%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A5%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%A5%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%AD-%D9%88%D9%81%D9%8A-%D8%AE%D8%B6%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%AA%D8%AE%D9%81%D9%8A%D8%B6-%D9%82%D9%8A%D9%85%D8%A9/297030889209066/
https://www.alaraby.co.uk/economy/%D8%B5%D9%81%D9%82%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B7%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85-%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9
https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D9%88%D8%B0-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D8%A7/
https://www.alquds.co.uk/3-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%A7-%D8%B5%D9%86%D8%B9%D8%AA%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%81/