نقاط تفتيش شمال غزة: شركات ذات طبيعة استخباراتية تجمعها علاقات بإسرائيل والإمارات ويشملها الغموض والتكتم غير القانوني

مع بدء عودة سكان شمال غزة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وتحديدًا في 27 يناير، انتشرت على منصات التواصل صور ومقاطع فيديو تُظهر عناصر مسلحة بزي عسكري ويتحدثون باللهجة المصرية، ينظمون حركة الأفراد والمركبات عند نقاط تفتيش داخل غزة، فيما أظهرت بعض الصور أفراد بملامح أجنبية وهو ما أثار تساؤلات حول هوية الجهات المسؤولة عن هذه العمليات، خاصة مع الغموض الذي يحيط بطبيعة هذه اللجان وكونها لا تتبع أي من الدول رسميًا بشكل معلن.

يظهر في الصور أفراد بزي موحد، يشبه لباس شركات الأمن الخاصة، وهم يقومون كما يبدو بتسيير حركة العائدين، فيما يظهر مجموعة من الأجانب تشارك المجموعة المصرية تفتيش العائدين إلى شمال قطاع غزة، وتم تناول صورهم بشكل واسع في حسابات أمريكية وإسرائيلية على منصة إكس (تويتر سابقًا).

تكشف المعلومات المتوفرة أن عمليات التفتيش تتم بإشراف ثلاث شركات: شركتان أمريكيتان، هما Safe Reach Solutions SRS وUG Solutions، إلى جانب شركة مصرية لم يُكشف عن اسمها في أي مصدر رسمي، وبجانب عدم توفر معلومات رسمية موثقة حول هذه الشركات، تطرح البيانات التي توصلت إليها ‘تقصي’ حول هذه الشركات علامات استفهام مثيرة للشكوك.

الشركة الأولى SRS تُعرف بأنها متخصصة في التخطيط الاستراتيجي والإدارة اللوجستية للمناطق المعقدة، ولديها عقود مع جهات حكومية وشركات خاصة، وتدعي الشركة أنها توفر خدمات أمان متقدمة تشمل البنوك والمستشفيات ومزودي تكنولوجيا المعلومات، مع قاعدة عملاء تصل إلى 5,000 شركة وأكثر من 350 ألف مستخدم حول العالم.

إلا أن التدقيق في هيكلها المالي يكشف ارتباطها بشركة Two Ocean Trust، وهي مؤسسة مالية مقرها في ولاية وايومنج الأمريكية؛ تُعرف بتقديم خدمات مالية سرية للأثرياء، ما يثير تساؤلات حول طبيعة أموالها وشبكة علاقاتها. الجدير بالذكر، أن الشركة مسجلة ككيان “قوقعة” (Shell Company)، وهي نوع من الشركات التي لا تمتلك أي أصول محددة أو عمليات تجارية نشطة، أي أنها تكون موجود فقط على الورق لإخفاء ملكية الأعمال من تطبيق القانون أو الجمهور، وهو أمر غير قانوني، وعادة ما تستخدم كواجهات لأجهزة المخابرات.

عثرت ‘تقصي’ على نسخة من المستندات التأسيسية لشركة Safe Reach Solutions, LLC في ولاية وايومنج، وهي منشورة في تحقيق للصحفي Jack Poulson وهو صحفي مستقل يعمل على تحقيقات مفتوحة المصدر ويتتبع الأسلحة والتكنولوجيا الدولية.

كشف بحث ‘تقصي’ أنه بالإضافة إلى دوره في قيادة شركة SRS، شغل السيد فيليب ريلي منصب رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في أفغانستان خلال الفترة ما بين 2008 و2009، كما كان رئيس العمليات في مركز مهام مكافحة الإرهاب التابع للوكالة، والذي أشرف على برنامج الضربات الجوية بالطائرات المسيرة، أحد أكثر البرامج إثارة للجدل خلال الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط.

كما شغل ريلي سابقًا منصب نائب الرئيس الأول للأنشطة الخاصة في شركة Constellis، وهي الشركة الأم لمجموعة بلاك ووتر التي أصبحت مرادفة لمصطلح “المرتزقة الأمريكيين”. تجدر الإشارة إلى أن شركة Global Delivery (GDC)، الشريكة لشركة Constellis والتي تضم في إدارتها مسؤولين سابقين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قد اقترحت نشر مرتزقة من قبلها في غزة.

إلى جانب الأنشطة الاستخباراتية التي مارسها فيليب ريلي في منطقة الشرق الأوسط، وانخراطه في شركات الأمن الخاصة الأمريكية، برزت أدلة تُظهر ارتباطه بعلاقات متينة مع دولة الإمارات، إذ أن ريلي شغلَ عام 2016 منصبًا في المجلس التنفيذي لشركة Circinus، الضالعة في أعمال التجسّس وجمع البيانات الاستخبارية عبر أنظمة المراقبة الرقمية، حيث أبرمت الأخيرة اتفاقيات كبيرة مع الإمارات بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات، وفقًا لتقرير نشرته New York Times في 2018.

أما عن الشركة الثانية، فهي UG Solutions، والتي تقدم نفسها كشركة أمنية متخصصة في تأمين المناطق عالية الخطورة، وتوظف عناصر سابقين في الجيش الأمريكي ووكالة المخابرات المركزية (CIA) أسسها جيمسون جوفوني، وهو جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية وله تاريخ طويل في عمليات مكافحة التهريب والاستخبارات العسكرية.

لا تمتلك UG Solutions سجلًا تجاريًا واضحًا، وهي غير مدرجة في البورصات الأمريكية، ما يشير إلى أنها تعمل ضمن نطاق شركات الأمن الخاصة التي تعتمد على العقود السرية مع الحكومات والجهات الفاعلة غير الرسمية، كما أن مؤسسها متورط في أعمال تجارية أخرى ذات طابع عسكري سري مثل تطوير منتج يدعى Alcohol Armor، الذي تم ابتكاره للاستخدام في العمليات العسكرية السرية.

على الجانب المصري، لم تُظهر عملية البحث أي من المعلومات حول هوية الشركة التي تدير عمليات التفتيش، وهو ما يعني غموض هذه الشركة؛ فلا توجد سجلات رسمية تشير إلى أسمها أو طبيعة عملها. بجانب ذلك، تثير طبيعة هذه الشركات وطريقة عملها تساؤلات حول الدور الحقيقي الذي تلعبه عند نقاط التفتيش في غزة. فهل هي مجرد شركات أمنية تقدم خدمات لوجستية؟ أم أنها جزء من عملية أكبر لها أبعاد استخباراتية وعسكرية؟

الافتقار إلى الشفافية حول الشركات الأمريكية والمصرية يجعل من الصعب تحديد الأطراف التي تستفيد من هذه العمليات، لكن المؤكد هو أن وجود شركات أمنية خاصة ذات طبيعة استخباراتية في هذا السياق يُشير إلى ترتيبات أمنية تتجاوز مجرد عمليات التفتيش، والتي قد تمتد إلى مراقبة السكان وجمع المعلومات الاستخباراتية وحتى إدارة تحركات الأفراد والمركبات وفقًا لمصالح المؤسسات التي تقف وراء هذه الشركات.

المصادر:
https://www.timesofisrael.com/security-contractors-check-for-weaponry-in-cars-returning-to-northern-gaza/
https://www.team-srs.com
https://jackpoulson.substack.com/p/gaza-checkpoint-contractor-is-shell
https://ugsolutions.co/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *